السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
61
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وقوله تعالى : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ دخول « من » على مفعول « ما يُرِيدُ » لتأكيد النفي ، فلا حكم يراد به الحرج بين الأحكام الدينية أصلا ، ولذلك علق النفي على إرادة الجعل دون نفس الحرج . والحرج حرجان : حرج يعرض ملاك الحكم ومصلحته المطلوبة ، ويصدر الحكم حينئذ حرجيا بذاته لتبعية ملاكه كما لو حرم الالتذاذ من الغذاء لغرض حصول ملكة الزهد ، فالحكم حرجي من رأس ، وحرج بعرض الحكم من خارج عن أسباب اتفاقية فيكون بعض أفراده حرجيا ويسقط الحكم حينئذ في تلك الأفراد الحرجية لا في غيرها مما لا حرج فيه ، كمن يتحرج عن القيام في الصلاة لمرض يضره معه ذلك ، ويسقط حينئذ وجوب القيام عنه لا عن غيره ممن يستطيعه . وإضرابه تعالى بقوله : « وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ » ، عن قوله : « ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ » يدل على أن المراد بالآية نفي الحرج الذي في الملاك أي إن الأحكام التي يجعلها عليكم ليست بحرجية شرعت لغرض الحرج ، وذلك لأن معنى الكلام أن مرادنا بهذه الأحكام المجعولة تطهيركم وإتمام النعمة وهو الملاك ، لا أن نشق عليكم ونحرّجكم ، ولذلك لما وجدنا الوضوء والغسل حرجيين عليكم عند فقدان الماء انتقلنا من إيجاب الوضوء والغسل إلى إيجاب التيمم الذي هو في وسعكم ، ولم يبطل حكم الطهارة من رأس لإرادة تطهيركم وإتمام النعمة عليكم لعلكم تشكرون . قوله تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لازم ما تقدم من معنى نفي إرادة الحرج أن يكون المراد بقوله : « يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ » أن تشريع الوضوء والغسل والتيمم إنما هو حصول الطهارة فيكم لكونها أسبابا لذلك ، وهذه الطهارة أياما كانت ليست بطهارة عن الخبث بل هي طهارة معنوية حاصلة بأحد هذه الأعمال الثلاثة ، وهي التي تشترط بها الصلاة في الحقيقة .